السيد محمد الصدر

415

تاريخ الغيبة الصغرى

قال الراوي - وهو حاضر ذلك المجلس - : فبينما نحن كذلك ، إذ أقبل هارون المكي ، ونعله في سبابته . فقال : السلام عليك يا ابن رسول اللّه . فقال له الصادق ( ع ) : ألق نعلك من يدك واجلس في التنور . قال : فألقى النعل من سبابته ، ثم جلس في التنور . وبعد هنيهة التفت إليه الإمام عليه السلام ، وقال : كم تجد بخراسان مثل هذا . فقال : واللّه ولا واحدا . فقال : أما أنا لا نخرج في زمان نجد فيه خمسة معاضدين لنا ، نحن أعلم بالوقت « 1 » . يتضح لنا من هذه الرواية أمران مقترنان : أحدهما : الصفة التي يجب أن يتحلى بها الناصر للدعوة الإلهية ، نتيجة للاخلاص الممحص الذي عاش تجربته واقتطف ثمرته . وهي الايمان المطلق بالقيادة ، بحيث لا يصرفه عن امتثال تعاليمها صارف ، ولا تأخذه فيها لومة لائم ، وإن جر عليه الوبال ، وإن لم يفهم وجه الحكمة من التعاليم ، بعد أن كان لديه الايمان المطلق بالتعاليم . ثانيهما : إن هذه الصفة غير موجودة في عصر التمحيص والامتحان ، أو عصر الهدنة ، في العدد الكافي للقيام بالدعوة الإلهية . ومن ثم يكون الشرط الثالث منخرما . فلا يكون القيام بهذه الدعوة واجبا ولا يوجد أي ضمان لنجاحها على تقدير القيام بها . . . كما كان عليه الحال ، في ثورات الثائرين في عصر الأمويين والعباسيين ، فإنها جميعا كانت تفقد الضمان للنجاح ، فكان يكتب عليها الفشل ، مهما قويت واتسعت برهة من الزمن . وبهذا نستطيع أن نتبين بوضوح ، الأهمية البالغة للشرط الثالث الذي يريد اللّه تعالى بتخطيطه العام إيجاده في البشرية من خلال التمحيص ، وما هي النتيجة الكبرى التي سوف ينتجها ، وما هي الصفة التي يتحلى بها المخلص الممحص الذي يستطيع المشاركة في تطبيق العدل الكامل على العالم كله ، بين يدي القائد المهدي ( ع ) . إذن ، فهذه الشرائط في واقعها ، هي شرائط الدعوة الإلهية في كل حين . وحيث لم تتوفر على مر العصور ، لم تستطع هذه الدعوة شق طريقها المأمول في العالم

--> ( 1 ) البحار ، ج 11 ، ص 139 ، عن المناقب لابن شهرآشوب .